أحمد مصطفى المراغي
14
تفسير المراغي
( جَزاءً وِفاقاً ) أي إنه تعالى ينزل بهم شديد عقابه من جزاء أنهم أتوا بفظيع المعاصي ، فيكون العقاب وفق الذنب ومقداره كما قال : « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » . قال مقاتل : وافق العذاب الذنب ، فلا ذنب أعظم من الشرك ، ولا عذاب أعظم من النار . وقال الحسن وعكرمة : كانت أعمالهم سيئة فأتاهم اللّه ما يسوءهم . وبعد أن بين على طريق الإجمال أن هذا الجزاء الذي أعد لهم كان وفق جرمهم - فصل أنواع جرائمهم فذكر أنها نوعان فقال : ( 1 ) ( إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ) أي إنهم فعلوا من القبائح ما فعلوا ، واجترحوا من السيئات ما شاءت لهم أهواؤهم ، لأنهم ما كانوا ينتظرون يوم الحساب ولا يتوقعونه . ورغبة المرء في فعل الخيرات ، وترك المحظورات ، إنما تكون غالبا لاعتقاده أنه ينتفع بذلك في الآخرة ، فمن كان منكرا لها لا يقدم على شئ مما يحسن عمله ، ولا يحجم عن أمر مما يقبح . ( 2 ) ( وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ) أي وكذبوا لجميع البراهين الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد وبجميع ما جاء في القرآن . والخلاصة - إنهم أقدموا على جميع المنكرات ، ولم يرعووا عن فعل السيئات وأنكروا بقلوبهم الحق واتبعوا الباطل . وبعد أن بين فساد أحوالهم العملية والاعتقادية - أرشد إلى أنها في مقدارها وكيفيتها معلومة له تعالى لا يغيب عنه شئ منها فقال : ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ) أي إنا علمنا جميع ما عملوا علما ثابتا لا يعتريه تغيير ولا تحريف ، فلا يمكنهم أن يجحدوا شيئا مما كانوا يصنعون في الحياة الدنيا حين يرون ما أعد لهم من أنواع العقوبات ، لأنا قد أحصينا ما فعلوه إحصاء لا يزول منه شئ ولا يغيب ، وإن غاب عن أذهانهم ونسوه كما قال : « أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ »